ابن كثير

271

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ثبت في صحيح البخاري من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر أنه كان يقول : أول شيء نزل من القرآن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ « 1 » وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولا قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] كما سيأتي ذلك هنالك إن شاء اللّه تعالى . قال البخاري : حدثنا يحيى ، حدثنا وكيع عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرّحمن عن أول ما نزل من القرآن فقال : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قلت : يقولون اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد اللّه عن ذلك وقلت له مثل ما قلت لي فقال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت أمامي فلم أر شيئا ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا ، فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا عليّ ماء باردا - قال - فدثروني وصبوا علي ماء باردا - قال - فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ » هكذا ساقه من هذا الوجه . وقد رواه مسلم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن أبي سلمة قال : أخبرني جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه : « فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض ، فجئت إلى أهلي فقلت : زملوني زملوني فزملوني ، فأنزل اللّه تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ - إلى - فَاهْجُرْ قال أبو سلمة : والرجز الأوثان - ثم حمي الوحي وتتابع » « 2 » هذا لفظ البخاري ، وهذا السياق هو المحفوظ وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا لقوله : « فإذا الملك الذي جاءني بحراء » وهو جبريل حين أتاه بقوله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [ العلق : 1 - 5 ] ثم إنه حصل بعد هذا فترة ثم نزل الملك بعد هذا . ووجه الجمع أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة ، كما قال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا حجاج ، حدثنا ليث ، حدثنا عقيل عن ابن شهاب قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرّحمن يقول : أخبرني جابر بن عبد اللّه أنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ثم فتر الوحي عني فترة فبينا أنا أمشي سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء الآن قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثيت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي فقلت لهم زملوني زملوني فزملوني ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثم حمي الوحي

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 74 ، باب 1 . ( 2 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 74 ، باب 1 ، ومسلم في الإيمان حديث 255 ، 257 . ( 3 ) المسند 3 / 325 .